يكشف الباحث تسيجاب أماري في مستهل تحليله عن تحوّل استراتيجي مهم داخل معادلات القرن الأفريقي، بعدما اتجهت جوبا نحو إغلاق القاعدة المصرية في منطقة باجاك الواقعة بولاية أعالي النيل، وهي منطقة تحمل تاريخاً عسكرياً وسياسياً معقداً بسبب ارتباطها السابق بقوات الحركة الشعبية المعارضة بقيادة رياك مشار. ويكتسب الموقع حساسية استثنائية لقربه من الحدود الإثيوبية والسودانية ومن الروافد المغذية للنيل الأزرق وسد النهضة الإثيوبي.
وأشار هورن ريفيو إلى أن تقارير تعود إلى عام 2020 تحدثت عن اهتمام مصري بإنشاء وجود عسكري في باجاك لمراقبة التحركات المرتبطة بأزمة سد النهضة، رغم نفي حكومة جنوب السودان تلك الأنباء آنذاك. لكن قرار الإغلاق العاجل الذي تداولته تقارير إعلامية أخيراً يعكس، وفق التحليل، وجود نشاط أمني أو عسكري مصري تطور تدريجياً خلال السنوات الماضية قبل أن تقرر جوبا إنهاءه بصورة حاسمة.
تحولات التوازن بين القاهرة وأديس أبابا
حاولت جنوب السودان لسنوات الحفاظ على توازن دقيق بين القاهرة وأديس أبابا، إذ دعمت إثيوبيا تاريخياً حركات التحرر في جنوب السودان وقدمت دعماً سياسياً وأمنياً متواصلاً، بينما عززت مصر علاقاتها مع جوبا عبر مشروعات البنية التحتية والتعاون الأمني والدبلوماسي.
ويرى التحليل أن إغلاق قاعدة باجاك يعكس ميلاً أوضح نحو إثيوبيا، خاصة مع اكتمال تشغيل سد النهضة وتزايد قدرته الكهربائية، بالتزامن مع خطط إثيوبية لتوسيع مشروعات السدود على حوض النيل الأزرق. وتنظر أديس أبابا إلى أي وجود عسكري مصري قرب حدودها الغربية باعتباره تهديداً مباشراً في مرحلة شديدة الحساسية ترتبط بأمن السد ومكانته الاستراتيجية.
ودفعت اعتبارات داخلية رئيس جنوب السودان سلفا كير إلى إعادة حساباته الإقليمية، إذ باتت إثيوبيا تفضّل استقرار جنوب السودان اقتصادياً وأمنياً عبر شبكات التجارة والطرق والبنية التحتية بدلاً من إدارة النفوذ عبر الفصائل المسلحة. ويبرز ضمن هذا التوجه مشروع ممر جامبيلا ـ باجاك ـ بالوش الذي يربط غرب إثيوبيا بالبنية النفطية في جنوب السودان.
سد النهضة يعيد رسم خريطة النفوذ
عزز انضمام جنوب السودان إلى الاتفاقية الإطارية التعاونية لدول حوض النيل مكانة إثيوبيا الإقليمية، بعدما دخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في أكتوبر 2024 عقب مصادقة ست دول منبع، بينها جنوب السودان. وتحدت هذه الاتفاقية الأسس التقليدية التي اعتمدت عليها مصر تاريخياً في إدارة ملف مياه النيل.
ويضع التحليل قرار إغلاق القاعدة ضمن تراجع فاعلية استراتيجية مصر الإقليمية التي سعت منذ عام 2020 إلى بناء شبكة نفوذ عسكري وأمني حول إثيوبيا عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وشملت هذه الاستراتيجية تعزيز الوجود العسكري المصري في الصومال، وتطوير تفاهمات لوجستية مع إريتريا، وتوسيع الحضور البحري في جيبوتي، إلى جانب التنسيق العسكري مع الجيش السوداني خلال الحرب الجارية.
لكن الكاتب يرى أن إثيوبيا ما تزال تمتلك أفضلية جغرافية وسياسية داخل عمق حوض النيل بسبب قربها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية وتأثيرها المباشر في دول المنبع، بينما تواجه مصر صعوبة متزايدة في فرض نفوذ طويل المدى داخل المناطق الداخلية للقرن الأفريقي.
جنوب السودان يبحث عن سيادة مستقلة
يعتبر التحليل أن قرار جوبا يعكس توجهاً إقليمياً أوسع داخل القرن الأفريقي يرفض تحويل أراضي الدول إلى ساحات صراع بالوكالة أو منصات عسكرية دائمة لقوى خارجية. وبدأت حكومات المنطقة تنظر إلى الوجود العسكري الأجنبي باعتباره عبئاً سياسياً قد يجرها إلى صراعات إقليمية لا تحقق لها استقراراً دائماً.
ولا يعني القرار، وفق الكاتب، انهيار العلاقات المصرية الجنوب سودانية، لكنه يشير إلى انكماش قدرة القاهرة على توسيع نفوذها داخل العمق الاستراتيجي لحوض النيل في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لملف سد النهضة.
ويطرح التحليل فكرة إنشاء مجلس أمني ثلاثي مستقبلي يضم جنوب السودان وإثيوبيا والسودان بعد انتهاء الحرب، بهدف إدارة أمن الحدود ومنع تحركات الجماعات المسلحة وتنظيم الوجود العسكري الخارجي عبر آليات إقليمية مشتركة.
ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل القرن الأفريقي لن تصنعه القواعد العسكرية أو سياسات الاحتواء، بل ستحدده قدرة دول المنطقة على تحويل التنافس الجغرافي إلى تعاون مؤسسي طويل الأمد. ويرى أن خطوة جوبا في باجاك تكشف بوضوح الاتجاه الذي قررت الدولة السير نحوه في المرحلة المقبلة.
https://hornreview.org/2026/05/11/analyzing-south-sudans-closure-of-the-egyptian-base-at-pagak/

